الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

322

نفحات الولاية

الموت باليقين ، وذلك لأنّه يوقن به حتى من أنكر المعاد والحساب . ثم قال عليه السلام « وهى حلوة خضرة » وتختص الحلاوة بالذائقة بينما ترتبط الخضرة بالباصرة ، فخضرة الدنيا وجمالها تخطف بصر الفرد الغافل وتشده إليها ، بينما تسوق حلاوتها ذلك الإنسان إلى المعصية والخطيئة ، ومن المعلوم أنّ خداع الدنيا لا يقتصر على هذين الأمرين ، بل لكل حاسة من حواس الإنسان ما يجذبها ويربطها بالدنيا . وأضاف عليه السلام « وقد عجلت للطالب والتبست « 1 » بقلب الناظر » فطبيعة الدنيا خيرها العاجل ومنافعها المبكرة ، وإذا أتت الإنسان فإنّها تنفذ إلى قلبه حتى تكون جزءاً منه لأنّها جميلة للناظر ، كما أنّها حلوة للمذاق ، ولذلك كان التحرر منها صعباً . وما ان فرغ الإمام عليه السلام من بيان صفات الدنيا لتتطلع القلوب إلى أوامر السماء حتى قال « فارتحلوا منها بأحسن ما بحضرتكم من الزاد ولا تسألوا فيها فوق الكفاف ، ولا تطلبوا منها أكثر من البلاغ » « 2 » . لا ينبغي أن ينسى الإنسان أنّه مسافر قد أقام هنا بصورة مؤقتة ، والمسافر الفطن إنّما ينهمك باعداد الزاد والمتاع في مثل هذا المنزل ، فهو يتزود بأحسن الأمتعة والأشياء ولا يثقل كاهله بالردي منها أبدا « وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الأَلْبابِ » « 3 » . فالتقوى أفضل زاد الدنيا إلى جانب الحذر من نوم الغفلة . الكفاف والعفاف لقد تضمنت الخطبة إشارات إلى مختلف أبعاد الحياة الدنيا رغم قلة عباراتها وألفاظها . فقد أشارات إلى طبيعة الحياة الدنيا والتي تكمن في الفناء والزوال ورحيل أهلها عنها شاءوا أم أبوا . كما تطرقت إلى ظاهرها الأنيق الذي يشد الأنظار إليه ، ومن هنا يتجه نحوها من يخدع بالمظاهر ، بينما يحذرها من يتمعن في العواقب . وتناولت حب الدنيا الذي يقود بالتدريج إلى تربعها في قلب الإنسان حتى تصبح جزءاً من كيانه ؛ الأمر الذي يجعل من المتعذر عليه نزع

--> ( 1 ) - مادة « الالتباس » إن تعدت بحرف الباء عنت الاختلاط والامتزاج ، وإن تعدت بحرف على عنت الاشتباه ، ومن هنا يتضح أنّ المراد بالعبارة هنا الاشتباه . ( 2 ) « البلاغ » بمعنى الوصول إلى الشئ ، ومنه البلوغ الذي يصل فيه الإنسان مرحلة خاصة . والمراد بها هنا مايتبلغ به ، أي يقتات به مدة الحياة . ( 3 ) سورة البقرة / 197 .